ابن قيم الجوزية
549
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
فأنت معهم مسترسل بشبحك ورسمك وصورتك فقط . ومفارقهم بقلبك وسرك ، مشاهدا للمعنى الذي به حياتك . فإذا فارقته كنت كالحوت إذا فارق الماء . فإن هذا المعنى هو حياة القلب والروح ، فإذا فات العبد علته الكآبة ، وغمره الهمّ والغمّ والأحزان ، وتلون في أفعاله وأقواله . وتاه قلبه في الأودية والشعاب ، وفقد نعيم الدنيا والآخرة . وهذا هو الذي أشار إليه يحيى الصرصري في قوله : إذا صار قلب العبد للسرّ معدنا * تلوح على أعطافه بهجة السّنا وإن فاته المعنى علته كآبة * فأصبح في أفعاله متلوّنا فمتى كان شهود هذا المعنى قائما في قلبك : لا يضرك مخالطة من لا تسلبك إياه مخالطته والانبساط إليه . قال « الدرجة الثانية : الانبساط مع الحق ، وهو أن لا يحبسك خوف ، ولا يحجبك رجاء ، ولا يحول بينك وبينه آدم ولا حواء » . يريد : أن لا يمنعك عن الانبساط إليه خوف ، فإن مقام الخوف لا يجامع مقام الانبساط . والخوف من أحكام اسم « القابض » والانبساط من أحكام اسم « الباسط » . و « البسط » عندهم : من مشاهدة أوصاف الجمال والإحسان والتودد والرحمة ، و « القبض » من مشاهدة أوصاف الجلال والعظمة والكبرياء والعدل والانتقام . وبعضهم يجعل الخوف من منازل العامة ، والانبساط من منازل الخاصة . إذ الانبساط لا يكون إلا للعارفين أرباب التجليات « 1 » ، وليس في حق هؤلاء خوف . وأما قوله : « ولا يحجبك رجاء » فلأن الراجي لطلبه حاجته يحتاج إلى التملق والتذلل . فيحجبه رجاؤه وطمعه فيما يناله من المعظم عن انبساطه . كالسائل للغني . فإن سؤاله وطمعه يمنعه من انبساطه إليه . فإذا غاب عن ذلك انبسط . وقوله : « ولا يحول بينك وبينه آدم ولا حواء » استعارة . والمعنى : أنك تراه أقرب إليك من أبيك وأمك ، وأرحم بك منهما ، وأشفق عليك . فلا توسط بينك وبينه أبا خرجت من صلبه ، ولا أما ركضت في رحمها . وفيه معنى آخر . وهو الإشارة إلى أنك تشاهد خلقه لك بلا واسطة ، كما خلق آدم وحواء . فتشاهد خلقه لك بيده ، ونفخه فيك من روحه ، وإسجاد ملائكته لك ، وإبعاد إبليس حيث لم يسجد لك ، وأنت في صلب أبيك آدم ، وهذا يوجب لك شهود الانطواء عن الانبساط ، وهو رحب الهمة لانطواء انبساط العبد في بسط الحق جل جلاله . ومعنى هذا : أن لا يرى العبد لنفسه انبساطا ولا انقباضا . بل ينطوي انبساطه ويضمحل في صفة « البسط » التي للحق جل جلاله . وهذا شهود معنى اسم « الباسط » عزّ وجلّ .
--> ( 1 ) الذين عرفوا الحقيقة الصوفية ، وأن الرب عبد ، والعبد رب . فهناك : تكون الصحبة وتسقط بينهما الكلفة والتكاليف والاحتشام . ويكون البسط والدلال . ويقول قائلهم : أنا لا أخاف عقابك ولا نارك . ولا أرجو ثوابك ولا جنتك .